الحسن بن محمد البوريني
322
تراجم الأعيان من أبناء الزمان
لأنّ أخته كانت عند السلطان مراد مقبولة إلى الغاية . وانصرف خصماؤه بخفي حنين . وولّاه السلطان أيضا ديار بكر فذهب إليها ناويا على إهلاك كلّ من اشتكى عليه . ومنهم ملك أحمد باشا وعلاء الدين بك ، فإنه أهلكهما تحت العذاب ووصل إلى أن ثار عليه أهل البلد ، وقاموا عليه قومة رجل واحد . فتحصّن في القلعة وصار يضرب على أهل المدينة بالمدافع الكبيرة ، حتى قتل منهم كثير . فبلغ أمره إلى جميع الأنام ، من الخاص والعام وكان سلطان الوقت الملك العادل الغازي السلطان محمد ولي عهد أبيه . وهو مقيم في مدينة مغنيسيا . فأرسل إلى إبراهيم باشا المذكور يشفع عنده في الرعايا عموما وفي ملك أحمد باشا المذكور خصوصا . فقال : أما الآن فهو ماله حكم ، مع وجود والده ، وإذا صار سلطانا فليفعل بي ما أراد ، فنوى السلطان المذكور قتله يوم يصير سلطانا . فلمّا منّ اللّه تعالى عليه بالسلطنة وحضر إلى دار سلطنة قسطنطينية سأل عن إبراهيم باشا المذكور فقيل له : إنّه محبوس في حبس والدك المرحوم . فأمر به فقتل صبرا من غير تأخير . فشاع له بذلك ثناء عظيم ، واستبشر الناس بقدومه عليهم . وقالوا : قد أزال عن المسلمين غمّة ، وكشف عنهم ظلمة ، بسبب قتله الظالم المذكور . أخبرني من شاهد قتله أنّه كان جالسا في الحبس بعد صلاة العشاء . فدخل عليه كبير من خواص خدم الديوان ومعه جماعة من الجلّادين مغيّرين لصورتهم حتى لا يرتاب بهم . وجلس ذلك الكبير يصاحبه في أمور مموّهة ، وأقدم عليه الجلّادون من خلفه ووضعوا في عنقه حبلا وقالوا : أمر بذلك السلطان . قال : فرأيته قد رفع مسبّحته بالشهادة . فلما مات ألقوه في البحر ثم شفعت فيه أخته فدفنوه . وصار عبرة للمعتبرين ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد للّه رب العالمين « 1 » .
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، 6 ، الآية 40